research

تمثل السلامة من أخطار الحريق والحماية المدنية أحد أهم المحاور التنظيمية التي أولى لها المشرع المصري اهتمامًا بالغًا، إدراكًا لما قد يترتب على الحرائق الصناعية من مخاطر جسيمة تهدد الأرواح والممتلكات، وتعطل استمرارية النشاط الاقتصادي والاستثماري. ومن هذا المنطلق، وضع المشرع المصري منظومة قانونية وفنية متكاملة تهدف إلى الوقاية من الحرائق والحد من آثارها، وذلك من خلال فرض التزامات قانونية وتنظيمية دقيقة على المنشآت الصناعية تبدأ منذ مرحلة التصميم والإنشاء، وتمتد طوال دورة حياة المنشأة بما يشمل التشغيل والصيانة والتطوير والتوسع.

وتستند هذه المنظومة إلى إطار تشريعي وتنظيمي متكامل يتصدره قانون الدفاع المدني رقم 148 لسنة 1959 وتعديلاته، وقانون البناء الموحد رقم 119 لسنة 2008، وقانون العمل رقم 14 لسنة 2025، إلى جانب الكود المصري لأسس تصميم وتنفيذ نظم الحماية من أخطار الحريق، والأكواد الفنية والمواصفات القياسية المصرية والمعايير المرجعية الدولية ذات الصلة.

ولا يقتصر الامتثال لهذه المنظومة على مجرد إستيفاء متطلبات شكلية للحصول على الموافقات والتراخيص اللازمة، بل يمثل التزامًا قانونيًا مستمرًا يهدف إلى حماية الأرواح والممتلكات، وضمان التشغيل الآمن للمنشآت، وتقليل المخاطر التشغيلية والتأمينية، وتعزيز ثقة المستثمرين والجهات الرقابية وشركات التأمين.

وفي هذا الإطار، يتناول هذا المقال دراسة قانونية وتحليلية شاملة للتنظيم القانوني الحاكم للسلامة من أخطار الحريق والحماية المدنية في جمهورية مصر العربية، من خلال بيان التراخيص والموافقات الإلزامية، والمتطلبات الفنية والمستندية اللازمة، والالتزامات القانونية المقررة بموجب التشريعات ذات الصلة، فضلًا عن المسؤولية الإدارية والمدنية والجنائية المترتبة على عدم الامتثال، بما يوضح الأهمية القانونية والاستثمارية لتبني منظومة امتثال فعالة ومستدامة في المنشآت الصناعية.

أولاً: التراخيص والموافقات الإلزامية للمنشآت الصناعية

1- موافقة الحماية المدنية  (Fire Safety Approval)

تُعد موافقة الحماية المدنية الصادرة عن الإدارة العامة للحماية المدنية بوزارة الداخلية من أهم المتطلبات القانونية السابقة على تشغيل المنشآت الصناعية في مصر. وتمثل هذه الموافقة شهادة أولية تفيد بمراجعة التصميمات والمستندات الفنية والتحقق من استيفاء الموقع لإشتراطات الوقاية من أخطار الحريق وفقًا للكود المصري للحريق.

وتشمل إجراءات الحصول على الموافقة تقديم طلب رسمي مُرفقًا بالسجل التجاري، والبطاقة الضريبية، وسند الملكية أو عقد الإيجار الموثق، والرسومات الهندسية المعتمدة، وتقرير طبيعة النشاط والمخاطر، وإيصال سداد الرسوم. ويلي ذلك فحص المستندات والرسومات وإجراء معاينة ميدانية للموقع للتأكد من توافر وسائل الإطفاء والإنذار ومخارج الطوارئ وسلامة التركيبات الكهربائية.

2- شهادة إستيفاء إشتراطات الحماية المدنية.

تمثل هذه الشهادة الموافقة النهائية التي تثبت إستيفاء المنشأة لجميع متطلبات الحماية المدنية، وتعد شرطًا أساسيًا لإصدار أو تجديد تراخيص التشغيل، كما تُشكل قرينة قانونية على جاهزية المنشأة للتعامل مع الحرائق وحالات الطوارئ.

ويستلزم إصدارها التأكد من سلامة أنظمة الإنذار والإطفاء، ومصادر المياه، ومخارج الطوارئ، وخطط الإخلاء، وبرامج التدريب والصيانة الدورية، مع تقديم المستندات القانونية والفنية الدالة على ذلك.

 

 

ثانياً: المتطلبات الفنية والمستندية للحصول على الموافقات.

تشترط الجهات المختصة إستيفاء مجموعة من المتطلبات الفنية الأساسية، من أهمها:

  • تركيب أنظمة إنذار صوتية وضوئية وكواشف دخان وحرارة مطابقة للمواصفات.
  • توفير طفايات حريق وشبكات إطفاء وخزانات ومضخات وفقًا لدرجة الخطورة.
  • تجهيز مخارج طوارئ كافية ومزودة بإشارات إرشادية مضيئة.
  • استخدام كابلات مقاومة للحريق وتأمين اللوحات الكهربائية.
  • تخزين المواد القابلة للاشتعال وفقًا لقواعد الأمان الصناعي.
  • إعداد خطط طوارئ وإخلاء وتدريب العاملين بصورة دورية.

كما يتعين تقديم الرسومات الهندسية المعتمدة، ومخططات أنظمة الإطفاء والإنذار، وشهادات اعتماد المعدات، وتقارير الاختبار والتشغيل، وسجلات التدريب والصيانة.

 

ثالثاً: الإطار التشريعي الحاكم للسلامة من أخطار الحريق.

1-  قانون الدفاع المدني رقم 148 لسنة 1959 وتعديلاته.

يمثل هذا القانون الركيزة الأساسية لمنظومة الحماية المدنية في مصر، حيث يفرض على المنشآت اتخاذ جميع التدابير الوقائية اللازمة لمواجهة أخطار الحريق، ويلزمها بتنفيذ تعليمات الحماية المدنية وتمكين السلطات المختصة من التفتيش والمعاينة وإزالة أسباب الخطر.

ويمنح القانون للإدارة العامة للحماية المدنية صلاحيات واسعة تشمل إصدار الموافقات، وإجراء التفتيشات، وإصدار قرارات الإنذار والوقف والغلق الإداري والإخلاء عند الضرورة.

2-  الكود المصري لأسس تصميم واشتراطات التنفيذ لحماية المنشآت من أخطار الحريق.

يُعد الكود المصري لأسس تصميم واشتراطات التنفيذ لحماية المنشآت من أخطار الحريق المرجع الفني الملزم الذي تعتمد عليه الجهات المختصة، وعلى رأسها الإدارة العامة للحماية المدنية، في تقييم مدى التزام المنشآت الصناعية بمتطلبات السلامة من الحريق.

وقد تأكدت الصفة الإلزامية لهذا الكود بموجب قرار وزير الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية رقم 355 لسنة 2026، والذي نص على العمل بكود المنشآت الصناعية والتخزينية لحماية المنشآت من أخطار الحريق، كما نصت المادة الثانية منه على أن يتولى المركز القومي لبحوث الإسكان والبناء نشر الكود والتعريف به والتدريب عليه.

ويشمل الكود ثلاثة محاور رئيسية متكاملة:

  • المتطلبات البنائية لحماية المنشآت من الحريق.
  • متطلبات الأنظمة الميكانيكية لمكافحة الحريق.
  • المتطلبات الكهربائية وأنظمة الكشف والإنذار.

وتنظم هذه الأجزاء تصميم المباني، ومخارج الطوارئ، وأنظمة الإنذار والإطفاء، والتحكم في الدخان، والتوصيلات الكهربائية، بما يضمن توفير منظومة متكاملة للوقاية من أخطار الحريق والحد من آثارها.

ويترتب على عدم الالتزام بأحكام الكود رفض اعتماد التصميمات، أو تعليق إصدار التراخيص، أو الامتناع عن منح موافقات الحماية المدنية، فضلًا عن اتخاذ إجراءات إدارية قد تصل إلى وقف النشاط أو الغلق الإداري لحين إزالة المخالفات.

3-  قانون البناء الموحد رقم 119 لسنة 2008

يشترط قانون البناء أن تكون التصميمات الهندسية متوافقة مع الكودات المصرية ومتطلبات الحماية من الحريق، ويعتبر أي إخلال بهذه الاشتراطات سببًا لرفض الترخيص أو وقف الأعمال أو إلزام المالك بتنفيذ الأعمال اللازمة على نفقته.

4- قانون العمل رقم 14 لسنة 2025

يفرض قانون العمل التزامات واسعة تتعلق بالسلامة والصحة المهنية، وتشمل تقييم المخاطر، وإعداد خطط الطوارئ والإخلاء، وتدريب العاملين، وإجراء التفتيشات الدورية، وتمكين العمال من مغادرة موقع العمل عند وجود خطر داهم.

 

 

رابعاً: الأكواد الفنية المكملة والمعايير المرجعية.

إلى جانب الكود المصري للحريق، تخضع المنشآت الصناعية لعدد من الأكواد والمعايير المكملة، ومنها:

  • الكود المصري للأعمال الكهربائية.
  • الكود المصري للأعمال الميكانيكية.
  • الكود المصري للمنشآت الصناعية.
  • المواصفات القياسية المصرية (EOS).
  • معايير NFPA المرجعية.

وتسهم هذه الأكواد في تنظيم تصميم وتشغيل الأنظمة الكهربائية والميكانيكية، وضمان جودة معدات الحماية من الحريق وفعاليتها.

 

خامساً: الإلتزامات القانونية المستمرة على المنشآت الصناعية.

الإمتثال لا ينتهي بالحصول على الموافقات، بل يُمثل التزامًا قانونيًا دائمًا يفرض على المنشأة:

  • إجراء الصيانة والاختبارات الدورية لجميع الأنظمة.
  • الاحتفاظ بسجلات الصيانة والتدريب.
  • تحديث خطط الطوارئ والإخلاء.
  • تدريب العاملين وتجارب الإخلاء.
  • مراجعة أنظمة السلامة عند التوسعات أو التعديلات.
  • تمكين الجهات الرقابية من أعمال التفتيش.

 

سادساً: المسؤولية القانونية عن عدم الامتثال.

1-  المسؤولية الإدارية، تشمل:

  • الإنذار، ووقف النشاط.
  • الغلق الإداري الجزئي أو الكلي.
  • سحب أو تعليق التراخيص.
  • إزالة أسباب الخطر على نفقة المنشأة.

2-  المسؤولية المدنية :

إذا ترتب على المخالفة ضرر للغير، تلتزم المنشأة أو المسؤولون عنها بتعويض المتضررين وفقًا لقواعد المسؤولية التقصيرية في القانون المدني.

3-  المسؤولية الجنائية :

قد تنشأ المسؤولية الجنائية إذا أدى الإهمال أو عدم مراعاة القوانين واللوائح إلى وفاة أو إصابة العاملين أو الغير، وذلك وفقًا لأحكام قانون العقوبات المتعلقة بالقتل أو الإصابة الخطأ.

 

سابعاً: الأهمية الاستثمارية والاقتصادية للإمتثال.

أصبح الإمتثال لإشتراطات الحماية المدنية عنصرًا أساسيًا في إدارة المخاطر المؤسسية، لما يحققه من:

  • حماية الأرواح والممتلكات.
  • تقليل احتمالات توقف الإنتاج.
  • خفض الخسائر والتكاليف التأمينية.
  • تعزيز ثقة المستثمرين والممولين.
  • دعم استدامة النشاط والتوسع.

 

وفي الختام، يتضح أن المشرع المصري قد أرسى منظومة قانونية وفنية متكاملة تحكم السلامة من أخطار الحريق والحماية المدنية، تقوم على مبدأ الوقاية الاستباقية والرقابة المستمرة والمسؤولية القانونية المشددة.

وتؤكد هذه المنظومة أن الإلتزام باشتراطات الحماية المدنية لا يُعد إجراءً شكليًا يقتصر على الحصول على الموافقات والتراخيص، بل يمثل التزامًا قانونيًا دائمًا يبدأ منذ مرحلة التصميم والإنشاء، ويمتد طوال فترة التشغيل والصيانة والتوسع، بما يفرض على المنشآت الصناعية تبني منظومة متكاملة لإدارة المخاطر والامتثال المستمر.

كما أن الإخلال بهذه الالتزامات قد يؤدي إلى آثار قانونية ومالية جسيمة، تشمل وقف النشاط والغلق الإداري وسحب التراخيص، فضلًا عن المسؤولية المدنية عن التعويض، والمسؤولية الجنائية متى ترتب على المخالفة إصابات أو وفيات.

ومن ثم، فإن الامتثال الكامل للمتطلبات التشريعية والفنية المنظمة للسلامة من أخطار الحريق والحماية المدنية يُعد ضرورة قانونية وتشغيلية واستثمارية، وأحد المقومات الأساسية لاستمرار المنشآت الصناعية بصورة آمنة ومتوافقة مع أحكام القانون المصري.

وفي هذا الإطار، توصي مؤسسة السعدني ومشاركوه للإستشارات القانونية بضرورة إجراء مراجعة قانونية وفنية دورية لأنظمة الحماية المدنية والسلامة من الحريق، وتحديث السياسات الداخلية وخطط الطوارئ وبرامج التدريب والصيانة، بما يضمن الامتثال المستدام للتشريعات المصرية، ويحد من التعرض للمخاطر والمسؤوليات القانونية، ويعزز استقرار واستدامة النشاط الصناعي داخل جمهورية مصر العربية.

السابق التالى
Our Practices
+ (20) 110 318 0064 +(966)598488676